ظهرت الزرادشتية في الهضبة الإيرانية بعد استقرار الشعوب الآرية، ولم تكن تُعرف بهذا الاسم في بداياتها، بل باسم مزديسنا، أي عبادة الإله آهورا مزدا، بينما عُرفت في المصادر العربية باسم المجوسية. وقبل ظهورها كان الإيرانيون يعبدون آلهة متعددة ويقدسون عناصر الطبيعة، وكان للكهنة نفوذ ديني واجتماعي كبير.
وُلد زرادشت، وفق الرواية التقليدية، سنة 628 ق.م في منطقة أورمية، ونشأ محباً للحكمة والتأمل. وعندما بلغ الثلاثين اعتزل الناس سنوات عدة، ثم أعلن أنه تلقى وحياً من آهورا مزدا يدعوه إلى تبليغ رسالة التوحيد. واجه معارضة شديدة من الكهنة، فهاجر إلى باختريا حيث نجح في إقناع الملك كشتاسب بدعوته، لتصبح الزرادشتية الدين الرسمي للمملكة. وتذكر الروايات أنه قُتل سنة 551 ق.م أثناء صلاته.
تقوم الزرادشتية على عبادة إله واحد هو آهورا مزدا، وترتكز أخلاقها على ثلاثة مبادئ: الفكر الحسن، والقول الحسن، والعمل الحسن. كما تمجد الصدق والعمل، وتدعو إلى الطهارة الجسدية والروحية، وتؤمن بالثواب والعقاب بعد الموت.
كتابها المقدس هو الأفستا، الذي يضم الصلوات والشرائع والأناشيد الدينية، إلا أن معظم أجزائه فُقد بعد الغزو المقدوني، ثم أُعيد جمع ما بقي منه في العصرين البرثي والساساني.
أصبحت الزرادشتية الدين الرسمي للإمبراطوريات الأخمينية والبرثية والساسانية، ودخلت في صراع مع ديانات وحركات أخرى. وبعد الفتح الإسلامي لفارس تقلص عدد أتباعها تدريجياً، بينما هاجر قسم منهم إلى الهند، حيث عُرفوا باسم البارسيين، ولا تزال جماعات زرادشتية تعيش في إيران حتى اليوم.
وتصور الزرادشتية الكون بوصفه ساحة صراع دائم بين الخير والشر. فبعد خلق العالم هاجم أهريمان قوى الخير وأفسد الخليقة، واستمر هذا الصراع عبر التاريخ حتى نهاية الزمان، حين يظهر المخلّص ساووشيان ليقضي على الشر ويعيد العالم إلى الطهارة.

