تنتشر حول السودوكو صورة مبالغ فيها تجعلها تبدو كأنها مفتاح سحري لرفع الذكاء وحماية الدماغ من الشيخوخة، غير أن العلم يرسم صورة أكثر دقة واتزاناً. فحل هذه الأحجية ينشط بالفعل مناطق في الفص الجبهي من الدماغ المسؤولة عن الذاكرة العاملة والاستدلال المنطقي واتخاذ القرار، إذ يضطر اللاعب إلى الاحتفاظ باحتمالات متعددة في ذهنه واستبعاد الخيارات غير الممكنة حتى يصل إلى الحل الصحيح. غير أن هذا التدريب يجعل الإنسان أفضل أساساً في المهام المشابهة للسودوكو نفسها، كالتعرف على الأنماط والاستنتاج المنطقي البصري، ولا ينتقل أثره بقوة إلى مجالات بعيدة مثل تعلم اللغات أو تنمية الإبداع؛ فالدماغ ليس عضلة واحدة تنمو جميع قدراتها بالتساوي بتدريب واحد، بل شبكة من وظائف متخصصة. ومع ذلك، تظل للسودوكو قيمة حقيقية، خاصة مع التقدم في العمر، إذ تسهم في بناء ما يسميه العلماء بالاحتياطي المعرفي، أي زيادة مرونة الدماغ وقدرته على إيجاد مسارات بديلة لمعالجة المعلومات، مما يساعد على تأخير ظهور بعض مظاهر التراجع الذهني وإن كان لا يمنع الشيخوخة العصبية نفسها. وإلى جانب ذلك، توفر السودوكو لحظات من التركيز العميق والهدوء الذهني، ويمنح إكمال الشبكة شعوراً بالإنجاز يعززه نظام المكافأة في الدماغ. ومن أراد الاستفادة منها حقاً فعليه أن يزيد مستوى التحدي تدريجياً وألا يعتمد عليها وحدها، بل يضم إليها أنشطة أخرى كالتعلم المستمر والرياضة والتفاعل الاجتماعي، فالسودوكو ليست وهماً كاملاً ولا معجزة، وإنما تمرين عقلي مفيد حين نضعه في حجمه العلمي الصحيح.
نقاش حول هذا المنشور
لا توجد منشورات

