المعضلة ليست في الشر الذي يصنعه البشر، إذ يمكن على الأقل نسبته إلى الإرادة الحرة، بل في الشر المجاني الذي لا يرتبط بأي اختيار أو ذنب. فما الجريمة التي ارتكبها طفل يولد بمرض وراثي ينهش جسده منذ لحظة ولادته، ويقضي سنواته بين الألم والمستشفيات حتى يموت؟ لا يمكن هنا التذرع بالإرادة الحرة، لأنها لم تكن موجودة أصلًا. وإذا قيل إنه ابتلاء أو اختبار، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: لماذا يُحوَّل الطفل إلى أداة لتعذيب نفسه واختبار غيره؟ وما العدالة في أن تكون معاناة إنسان بريء وسيلة لقياس إيمان الآخرين؟
هذه ليست مجرد أسئلة عاطفية، بل معضلة فلسفية تمس صميم التصور اللاهوتي التقليدي. فإذا كان الله كلي القدرة، فهو قادر على منع هذا الألم. وإذا كان كلي الرحمة، فمن المفترض أن يريد منعه. ومع ذلك، فإن هذا النوع من المعاناة موجود ويقع يوميًا دون أي مبرر ظاهر.
أما الاحتجاج بـ((لحكمة الخفية)) فلا يحل المشكلة، بل يعفيها من التفسير. فكل ظاهرة، مهما بلغت قسوتها، يمكن تبريرها بالادعاء نفسه، مما يجعل الفكرة غير قابلة للاختبار أو النقاش، ويحولها إلى ملاذ للهروب من المعضلة لا إلى إجابة عنها.
ومن ثم، فإن وجود الشر المجاني يضع تصور الإله الكلي الرحمة والكلي القدرة أمام تناقض جوهري. فإما أن هذا التصور غير صحيح، أو أن الإله – إن وُجد – لا يتصف بالرحمة المطلقة التي تنسبها إليه الأديان.

